أبو علي سينا
17
التعليقات
ووجود ذلك يجب أن يكون على الوجه الفلاني حتى يكون وجودا فاضلا ، وكون ذلك الشئ خير من لا كونه . ولا يحتاج بعد هذا العلم إلى إرادة أخرى ليكون الشئ موجودا ، بل تعيين علمه بنظام الأشياء الممكنة على الترتيب الفاضل هو سبب موجب لوجود تلك الأشياء على النظام الموجود والترتيب الفاضل وبالجملة وبلوازم ذاته أعنى المعلومات لم يعلمها . ثم رضى به ، بل لمسّا كان صدورها عن مقتضى ذاته كان تعين صدورها عنه نفس رضاه بها . فإذا لم يكن صدورها عنه منافيا لذاته بل مناسبا لذات الفاعل . وكل ما كان غير مناف ، وكان مع ذلك بعلم الفاعل أنه فاعله فهو مراده لأنه مناسب له ، فنقول : هذه المعلومات صدرت عن مقتضى ذات واجب الوجود بذاته المعشوقة له مع علم منه بأنه فاعلها وعلتها . وكل ما صدر عن شئ على هذه الصفة فهو غير مناف لذلك الفاعل . وكل فعل يصدر عن فاعل وهو غير مناف له فهو مراده . فإذن الأشياء كلها مرادة لواجب الوجود ، وهذا المراد هو المراد الخالي من الغرض في رضاه . فصدور تلك الأشياء عنه أنه مقتضى ذاته المعشوقة له ، فيكون رضاه بتلك الأشياء لأجل ذاته ، وتكون الغاية في فعله ذاته . ومثال هذا : إذا أحببت شيئا لأجل إنسان كان المحبوب بالحقيقة ذلك الإنسان ، فلذلك المعشوق المطلق هو ذاته . ومثال الإرادة فينا نحن أنّا نريد شيئا فنشتاقه لأنا محتاجون إليه ، وواجب الوجود يريده على الوجه الذي ذكرناه ، ولكنه لا يشتاق إليه لأنه غنيّ عنه ، والغرض لا يكون إلا مع الشوق . فإنه يقال : لم طلب هذا ؟ فيقال لأنه اشتهاه ، وحيث لا يكون الشوق لا يكون الغرض ، فليس هناك غرض في تحصيل المتصوّر ولا غرض فيما يتبع تحصيله ، إذ تحصيل الشئ غرض ، وما يتبع ذلك التحصيل من النفع غرض أيضا . والغاية قد تكون نفس الفعل ، وقد تكون نفعا تابعا للفعل مثلا : كالمشي قد يكون غاية وقد يكون الارتياض غاية ، وكذلك البناء قد يكون غرضا وقد يكون الاستكنان به غرضا . تعليقات ابن سينا - 17